إخوان الصفاء

27

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فمن كان منهم أذكى فهما تصوّره بجودة ذكائه وحسن رويّته ، وقريحة قلبه ، وصفاء جوهر نفسه ، وضياء نور عقله . ومنهم من عميت عليه الأنباء ، إذ لم يكن له ذكاء ، ولا لقلبه صفاء ، ولا لنور عقله ضياء . ثم إن أولئك الأخوة اختلفوا فيما بينهم ، وصاروا فرقا يتجادلون فيما بينهم في هذه المسألة ، ويتنازعون ويتخاصمون وشبّت بينهم نيران الفتنة والبغضاء . ثم إن والدهم الشفيق رثى لهم ورحمهم لما رأى ما وقعوا فيه من المحنة والبلوى ، وأمر بعض إخوانهم العقلاء المستبصرين أن يكونوا قضاة وعدولا بينهم ، ويقضوا الحكم بأرفق ما يقدرون عليه . فقال لهم : إذا سألكم إخوتكم وتحاكموا إليكم فيما يختلفون فيه ، فأرشدوهم ودلّوهم على ذلك . فكان من جواب أولئك الأخوة القضاة ، إذا سئلوا عن عمل هذه الحلاوات ، أجابوا إخوتهم بأنها من عمل أبيهم ، فسكنت نفوس أولئك الأخوة الصغار إلى قولهم ، لأن معرفتهم بأبيهم أقرب إلى فهمهم من معرفتهم بالحلواني . وإذا سألوهم : من أي شيء عمل ؟ قالوا : لا من شيء تعرفونه ، فسكنت نفوسهم إلى قولهم أكثر من سكونهم إلى قول من أجاب أنه عمل من السّكر والشيرج والنشاء ، لأن الصبيان قد تبيّن لهم بأن أشياء كثيرة ما رأوها بعد ولا عرفوها . وإذا سألوهم : كيف عملها وكيف صوّرها ؟ قالوا : كما شاء وكيف شاء . وكانت هذه الجوابات أسكن لنفوسهم من قول من يطوّل فيه الخطب ، وقال كيت وكيت وفعل وضع . فهذا مثل اختلاف العلماء في حدوث العالم وقدمه ، والسائلين لهم واخوتهم المجيبين عنه . فمثل العالم بما فهي من العجائب وطرق أجناس الموجودات وغرائبه وصنوف صنائع المصنوعات ، كمثل تلك الخزانة المملوءة من الحلاوة . ومثل السائلين عن حدوث العالم وكيفية صنعته وعن هيولاء